عبد الرحمن بن ناصر السعدي

630

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

يذكر الله عنهم ، أنه أهلكهم بعذاب . بل ذكر اعتزاله إياهم ، وهجرته من بين أظهرهم . فأما ما يذكر في الإسرائيليات ، أن الله تعالى فتح على قومه باب البعوض ، فشرب دماءهم ، وأكل لحومهم ، وأتلفهم عن آخرهم ، فهذا يتوقف الجزم به ، على الدليل الشرعي ، ولم يوجد . فلو كان الله استأصلهم بالعذاب لذكره ، كما ذكر إهلاك الأمم المكذبة . ولكن هل من أسرار ذلك ، أن الخليل عليه السلام ، من أرحم الخلق ، وأفضلهم وأحلمهم ، وأجلهم ، فلم يدع على قومه ، كما دعا غيره ، ولم يكن الله ليجري عليه بسببه ، عذابا عاما ؟ ومما يدل على ذلك ، أنه راجع الملائكة في إهلاك قوم لوط ، وجادلهم ، ودافع عنهم ، وهم ليسوا قومه ، والله أعلم بالحال . * ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب ) * أي : بعدما هاجر إلى الشام * ( وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ) * . فلم يأت بعده نبي إلا من ذريته ، ولا نزل كتاب إلا على ذريته ، حتى ختموا بابنه محمد صلى الله عليه وسلم ، وعليهم أجمعين . وهذا من أعظم المناقب والمفاخر ، أن تكون مواد الهداية والرحمة ، والسعادة ، والفلاح ، والفوز ، في ذريته ، وعلى أيديهم اهتدى المهتدون ، وآمن المؤمنون ، وصلح الصالحون : * ( وآتيناه أجره في الدنيا ) * من الزوجة الجميلة ، فائقة الجمال ، والرزق الواسع ، والأولاد ، الذين بهم قرت عينه ، ومعرفة الله ومحبته ، والإنابة إليه . * ( وإنه في الآخر لمن الصالحين ) * بل وهو ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ، أفضل الصالحين على الإطلاق ، وأعلاهم منزلة ، فجمع الله له بين سعادة الدنيا والآخرة . * ( ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين * قال رب انصرني على القوم المفسدين * ولما جاءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل ه ذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين * ولمآ أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل ه ذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون ) * تقدم أن لوطا عليه السلام ، آمن لإبراهيم ، وصار من المهتدين به . وقد ذكروا ، أنه ليس من ذرية إبراهيم ، وإنما هو ابن أخي إبراهيم . فقوله تعالى : * ( وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ) * وإن كان عاما ، فلا يناقض كون لوط ، نبيا رسولا وهو ليس من ذريته ، لأن الآية ، جيء بها ، لسياق المدح والثناء ، على الخليل . وقد أخبر أن لوطا ، اهتدى على يديه . ومن اهتدى على يديه أكمل ممن اهتدى من ذريته بالنسبة إلى فضيلة الهادي ، والله أعلم . فأرسل الله لوطا إلى قومه ، وكانوا مع شركهم ، قد جمعوا بين فعل الفاحشة في الذكور ، وقطع السبيل ، وفشو المنكرات في مجالسهم . فنصحهم لوط عن هذه الأمور ، وبين لهم قبائحها في نفسها ، وما تؤول إليه من العقوبة البليغة ، فلم يرعووا ، ولم يذكروا . * ( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ) * . فأيس منهم نبيهم ، وعلم استحقاقهم العذاب ، وجزع من شدة تكذيبهم له ، فدعا عليهم و * ( قال رب انصرني على القوم المفسدين ) * فاستجاب الله دعاءه ، فأرسل الملائكة لإهلاكهم . فمروا بإبراهيم قبل ذلك ، وبشروه بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب . ثم سألهم إبراهيم أين يريدون ؟ فأخبروه أنهم يريدون إهلاك قوم لوط فجعل يراجعهم ، ويقول : * ( إن فيها لوطا ) * فقالوا له : * ( لننجينه وأهله ، إلا امرأته كانت من الغابرين ) * ثم مضوا حتى أتوا لوطا . فساءه مجيئهم ، وضاق بهم ذرعا ، بحيث إنه لم يعرفهم ، وظن أنهم من جملة الضيوف أبناء السبيل ، فخاف عليهم من قومه ، فقالوا له : * ( لا تخف ولا تحزن ) * وأخبروه أنهم رسل الله . * ( إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا ) * أي : عذابا * ( من السماء بما كانوا يفسقون ) * . فأمروه أن يسري بأهله ليلا . فلما أصبحوا ، قلب الله عليهم ديارهم ، فجعل عاليها سافلها ، وأمطر عليهم حجارة من سجيل متتابعة حتى أبادتهم وأهلكتهم ، فصاروا سمرا من الأسمار ، وعبرة من العبر . * ( ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون ) * أي : تركنا من ديار قوم لوط ، آثارا بينة لقوم يعقلون العبر بقلوبهم ، فينتفعون بها . كما قال تعالى : * ( وإنكم لتمرون عليه مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ) * . * ( وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم آلآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين * فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ) * أي : * ( و ) * أرسلنا * ( إلى مدين ) * القبيلة المعروفة المشهورة * ( أخاهم شعيبا ) * الذي أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له ، والإيمان بالبعث ورجائه ، والعمل له ، ونهاهم عن الإفساد في الأرض ، ببخس المكاييل والموازين والسعي بقطع الطرق . * ( فكذبوه فأخذتهم الرجفة ) * عذاب الله * ( فأصبحوا في دارهم جائمين ) * . أي : وكذلك ما فعلنا بعاد وثمود ، وقد علمت قصتهم ، وتبين لكم بشيء